فيروس كورونا يفتك بوكالات الأسفار في تونس

يتصدر القطاع السياحي بشكل عام وميدان وكالات الأسفار على وجه أدق قائمة القطاعات المنكوبة التي عصف بها وباء كورونا دفعة واحدة , إذ تشير أكثر التوقعات تفاؤلا إلى انه علينا أن ننتظر عاما آخر على الأقل لنبدأ في إحصاء الحجم الهائل للخسائر .مثلما يؤكد ذلك وسام بن عامر صاحب وكالة ليبرتا للاسفار و السياحة الذي يشخص الوضع بشكل مستفيض في هذه القراءة المقترحة.

لكن السؤال المطروح قبل ذلك هو هل أن وباء كورونا هو سبب البلاء أم أن فيروس كوفيد 19 القاتل وجد أمامه قطاعا ضعيف المناعة فأجهز عليه دون مقاومة تماما كما يفتك بالطاعنين في السن من أصحاب الأمراض المزمنة.

من المؤسف القول ان الدولة تخلت تماما عن تنظيم نشاط وكالات الأسفار عندما فسحت المجال أمام الدخلاء حتى يرتعوا فيها كما يشاؤون او لعلها تواطأت بسلبيتها ليكون الأمر كذلك بلا رقيب و لا حسيب.

كان ايقاف خدمات العمرة في بداية شهر مارس المنقضي أولى الضربات الموجعة التي بدأت وكالات الأسفار المنظمة و المهيكلة في تلقيها حتى قبل ان يستفحل انتشار الوباء في شتى الأنحاء ويتسبب في شلل شبه كلي للاقتصاد العالمي .

استقبل وكلاء الاسفار خبر تبخر اكثر من 20 مليارا من الارباح كانوا يخططون الى تحصيلها فيما تبقى من موسم العمرة بصبر وتفهم فقد كان القرار السعودي آنذاك شجاعا كونه من الناحية الشرعية درء للمفاسد مثلما انه صحيا وعمليا صون للذات البشرية وحفاظ على الارواح… لكن نزيف الخسائر لم يتوقف عند ذلك الحد حيث تعطلت حركة الملاحة الجوية على مستوى العالم والغيت رحلات الطيران التجارية واغلقت النزل السياحية ابوابها مرجئة الى اجل غير مسمى كافة الانشطة المرتبطة بها لاسيما قطاع وكالات الاسفار الذي يواصل تلقي ضربات دامية ليس لشهر او شهرين او ثلاثة كما هو الشان بالنسبة الى مختلف مظاهر الحياة العامة التي توقفت تنفيذا لقرار الحجر الصحي العام وانما لفترة لا تقل عن السنة في افضل الأحوال فالموسم السياحي الحالي كما موسم العمرة اضحى في خبر كان واستئناف الرحلات السياحية يحتاج إلى ترتيبات ومقتضيات مرتبطة بالسوق العالمية وأما  مجمل الخسائر المتوقعة لدى الشركات فيمكن ان يمتد إلى عشرة اضعاف ما سيبتلي به الافراد .

لعل ما يعقد وضعيات حوالي 800 وكالة أسفار كانت ناشطة قبل الكورونا- وربما تراجع عددها إلى النصف او اكثر ما بعدها- هو الإهمال الذي طالها من قبل الدولة على مدى السنوات الاخيرة خصوصا..

لقد أضحى الموازي وغير القانوني والدخيل وكل من هب ودب يقدم خدمات وكالات الأسفار بل ويحل محلها في أغلب الأحيان بالإعتماد على شبكات التواصل الإجتماعي ودون الحاجة إلى مكاتب وموظفين وأداءات.

وقد تحول السماسرة في ظل غياب ترسانة قوية من القوانين والتشريعات الردعية التي تحمي القطاع وتنظمه إلى أعراف يشغلون لديهم أصحاب الوكالات أحيانا مثلما هو الشأن في مجال العمرة ومن المفارقات أن قطاع وكالات الأسفار طاله التهميش التام حتى أن كراس الشروط وإن وجدت فهي عديمة الفائدة بما أن الإنتصاب العشوائي لمسدي الخدمات أضحى أمرا واقعا بينما ينظم الإنتشار الجغرافي للخدمات في مجالات أخرى على أساس ما يمنع قطع الأرزاق ويحفظ خزان الحرفاء مثلما هو الشأن في رياض الأطفال وحتى صيدليات الدواء أما وكالات الأسفار فلا تخضع إلا لقانون الغاب والفوضى العارمة مما أفقدها القدرة التنافسية و الصمود حاليا في وجه الإنعكاسات الإقتصادية الخطيرة لجائحة كورونا

الآن وقد حلت بوكالات الأسفار الطامة الكبرى فإن من سيصمد منها ويكتب له الإستمرار بعد الكورونا في حاجة ماسة إلى لقاحات جديدة تقوي مناعته. ذلك أن الوضع لن يستمر كما كان عليه قبل الكورونا وعلى الدولة أن تتحمل مسؤولياتها كاملة إزاء هذا القطاع الحيوي الذي يوفر عشرات الآلاف من مواطن الشغل المباشرة وغير المباشرة ويمثل حلقة الوصل في الحركة السياحية الدائبة ..

ولا يعقل بتاتا أن يستمر تعامل الدولة مع الوكلاء المعتمدين وفق منطق “داخلة في الربح خارجة من الخسارة” ذلك أن هذه الوكالات تلتزم سنويا بدفع المليارات من الآداءات المستوجبة وفي المقابل فإن الدولة لا تحميها من المنافسة غير المتكافئة زمن السلم ولا تخصها بإجراءات تحفيزية لإنتشالها من الإفلاس والإندثار زمن الحرب على كورونا.

من المفترض أن لا تتخلى الدولة على وكالات الأسفار كما كانت تفعل دائما فالمستثمرون في هذا المجال المحفوف بالمخاطر ينتظرون إتخاذ تدابير استثنائية تسمح لهم بالصمود عاما كاملا أو أكثر حتى تظل مؤسساتهم مفتوحة ومواطن الشغل فيها محفوظة وذلك بتوفير قروض تمويل كافية ودون فوائض تستخلص على مدى 7 سنوات مع ضرورة اعفاء الوكالات من مساهمات الصندوق الوطني للتضامن الاجتماعي لكامل ثلاثيات العامين 2020 و 2021 لا التشبث باستخلاص المساهمة المتعلقة بالثلاثية الأولى من السنة الحالية بدعوى ان الوكالات نشطت في مجال العمرة خلال تلك الفترة و الحال ان الموسم تم تعليقه منذ بداية شهر مارس و كان انطلق متأخرا بنحو 3 أشهر أول شهر جانفي المنصرم.

ومن جهة أخرى يعتقد انه أن الأوان لان يرفع البنك المركزي سقف السداد بالعملة الصعبة و تحريره سواء للعمرة او لبقية الرحلات السياحية فلا معنى لتقييد الاستثمار الواعد في هذا المجال وهو ما يمكن ان يسرع من اجراءات التعافي في اقل فترة ممكن 

Advertisements

أخبار ذات صلة

Leave a Comment