أزمة سوق النفط دليل على الاعجاز الاقتصادي للتشريع الاسلامي.. لماذا حرم الاسلام العقود الاجلة (2) ؟

دكتور محمد النوري يكتب : لماذا حرم الاسلام العقود الآجلة (2) ؟

أعود من جديد لنفس موضوع التدوينة السابقة وقد اثار بعض التفاعلات من اجل المزيد من الشرح وتبسيط المفاهيم، وهو: لماذا حرم الاسلام العقود الآجلة ؟ وما علاقة العقود الآجلة بأزمة النفط الراهنة؟ وما هي انعكاسات هذه الازمة على الاقتصاد التونسي؟

1) العقد الآجل عقد يلتزم بمقتضاه طرفان أحدهما بائع والآخر مشتري لبيع أو شراء أداة مالية أو عملة أجنبية أو سلعة محددة (بترول مثلا) في تاريخ محدد مستقبلا بسعر متفق عليه. العقود الآجلة تتم في الظاهر على أصول وسلع لكن المقصود منها في نهاية المطاف ليس تبادل تلك السلع وانما هو المراهنة على تقلبات السعر خلال المدة التي حددت في العقد، ولذلك تتم التسوية بنسبة 99% من الحالات ويكون وجود السلعة صوريا. لا يتحقق الربح او الخسارة الا في التاريخ المحدد للتسليم. بالتالي هي عقود قائمة على المجازفات والمضاربات وليس على تداول السلع وتبادل المنافع لان المقصود منها هو تحقيق أرباح قبل الوصول الى أجل التسليم.

2) من اجل ذلك لجأت المحاكم الامريكية في بعض الأوقات الى آلية «اختبار النوايا» لتحديد مقصود الطرفين. بينما الشريعة الإسلامية اكثر حكمة وأسدَ نظرا عندما اشترطت منع تأجيل البدلين سدا لباب المجازفات الضارة حتى يكون المقصود الحقيقي من المعاملة هو الانتفاع الحقيقي بالسلع محل التعاقد اما العقود الآجلة فهي مبادلة دين بدين المقصود به تبادل المخاطر وليس تبادل السلع، وهو دليل على اعجاز التشريع الإسلامي في بناء الثروة على الأصول وليس على الديون.

3) أسواق النفط كسائر السلع الأخرى إما أن تكون أسواق حاضرة(تبادل فوري بناء على قاعدة العرض والطلب) أو أسواق آجلة ( دون تسليم فوري للبدلين لا السعر ولا السلعة)، وإنما يتم دفع هامش بسيط، والتسليم للثمن والسلعة يكون في تاريخ مستقبلي. أهم عامل من العوامل المؤثرة في تحديد السعر بالإضافة الى العوامل التقليدية (العرض والطلب، أهمية السلعة، ظروف السوق) الأطراف المتدخلة في السوق وفي مقدمتهم المضاربون الذين يراهنون على تقلبات الأسعار ويستفيدون من الفارق.

4) المضاربون على العقود الآجلة باعتبارهم لم يدفعوا الثمن كاملا، يلجؤون (بناء على متابعتهم لتحركات السوق والمعلومات التي تتموفر لديهم) إلي التخلص منها مع تحمل خسارة أقل مما لو استلموا تلك الكميات في موعدها المحدد والتحول إلي مضاربات أخرى في آجال مستقبلية تعوض لهم خسارتهم. ويقود السلوك الطائش لهؤلاء المضاربين في الأسواق المالية على العقود الآجلة الى حالة من الضبابية وعدم الاستقرار في الأسواق والى انخفاض حاد في السعر الآجل للسلعة المعينة(النفط مثلا على غرار ما حصل يوم الاثنين).

5) السبب الآخر لما حصل يوم الاثنين من هبوط حاد في سعر الخام الأمريكي بالإضافة الى عامل المضاربة المتهورة هو عدم وجود قدرة تخزين كافية عند شركات النفط في شهر ماي لعقود الشراء الخاصة بنفس الشهر. لذلك اضطرت تلك الشركات للتضحية بكميات من النفط باقل حتى من سعر التكلفة (ناقص 37 دولار للبرميل) تماما مثلما يتصرف الفلاح عندما يتيقن بان الاحتفاظ بإنتاجه سوف يكلفه اكثر من التخلص منه ولو برميه في الطريق.

6) وكل هذا الوضع بطبيعة الحال يعود الى السبب الأصلي وهو مخلفات ازمة الكورونا التي اختل فيها الطلب بشكل كبير بسبب تعطل الحركة الاقتصادية وشلل معظم القطاعات التي تستهلك النفط والطاقة بشكل عام، حيث تكدس الإنتاج واصبح العرض يفوق الطلب بشكل فادح والدول المنتجة للبترول لا تريد وربما لا تستطيع تخفيض انتاجها لان كلفة إيقاف الضخ باهظة بالإضافة الي الاعتبارات السياسية التي تهيمن على العملية والتجاذبات بين كل من روسيا والسعودية والدور الأمريكي في كل ذلك.

7) حقيقة الازمة ليست في سوق النفط بل هي في سوق المال وهو ما صرح به صراحة الرئيس الأمريكي بسبب الصعود المستمر للدولار أمام باقي العملات مما يرتب خسائر للشركات والدول المستوردة للنفط لأمريكي. لذلك بدأ عدد من المستهلكين الشراء بعقود من أسواق مجاورة لأمريكا وبعملات محلية. بالإضافة الى تحول ازمة اسعر العقود الآجلة للخام الأمريكي الى ازمة في أسعار النفط بشكل عام وخصوصا البرنت الخليجي ومنتجات سلة الاوبك. كل ذلك يحصل في ظل أسعار فائدة صفرية وحتى سلبية بحيث أضحت البنوك الغربية مضطرة الى أخذ فوائد من العملاء مقابل الحفاظ على مدخراتهم تماما كما يحصل في سوق النفط السلبي.

8) من أجل تفادي المجازفات والمضاربات على العقود الآجلة دعا الاقتصادي الفرنسي الشهير موريس آلي الى ضرورة رفع الهامش المطلوب في تلك العقود بدرجة كبيرة لمنع كل السلوكيات الضارة بالاقتصاد. في حين حرمت الشريعة الإسلامية التعامل بالعقود الآجلة وكل المشتقات المالية من خيارات ومستقبليات ومقايضات واشترطت المناجزة اي اكثر من ذلك وهو تسليم الثمن كاملا لتقليص المجازفات وتوجيه المبادلة الى النتيجة الإيجابية من خلال إتمام التبادل الحقيقي للسلع، ووضعت ضوابط للعلاقة بين النقود والسلع وشروط للمبادلة الاقتصادية العادلة كما نص عليها حديث الأصناف الربوية الستة.

9) هل أزمة النفط هذه أزمة عابرة أم تخفي وراءها أكمة من الأزمات في أسواق أخرى ؟ لا أحد عنده الإجابة القاطعة، فلربما يتم تطويق الازمة النفطية بالضغط على المنتجين لتخفيض انتاجهم وتجاوز ازمة التخزين بمجرد الخروج من حالة الحجر الصحي السائد على نطاق عالمي وبالتالي عودة الامور الى نصابها، لكن المتيقن وهو ما تؤكده توقعات العديدين من الخبراء والمتابعين وحتى المؤسسات المالية الدولية هو ان العالم دخل من خلال ازمة فيروس الكورونا الى أتون أزمة اقتصادية حقيقية تفوق تداعياتها كل الازمات السابقة وان الركود الاقتصادي الذي يتجه اليه العالم ليس ضيفا عارضا وانما هو مرحلة جديدة سوف لن تكون مشابهة لسابقاتها اطلاقا.

10) أما انعكاسات هذه الازمة على الاقتصاديات النامية مثل الاقتصاد التونسي فهي ولا شك انعكاسات حقيقية أولا بمجرد استمرار الركود الاقتصادي في سائر دول العالم ومنهم شركاء اقتصاديين لتونس (أغلبهم بالمناسبة من اكبر بؤر الكورونا) سوف يؤثر بلا شك سلبا على نسبة النمو التي تشير التوقعات الى انها ستكون سلبية أي نمو ناقص من 4،3-٪(حسب صندوق النقد الدولي) الى ربما اكثر من ذلك وهو ما يعني ببساطة كلفة اجتماعية باهضة على مستوى الأجور والبطالة والمقدرة الشرائية وكلفة اقتصادية من جراء تقلص الاستهلاك وتراجع الاستثمار وشلل في التصدير والسياحة والنقل ومعظم القطاعات الانتاجية. لكن بالمقابل يمكن ان تستفيد البلاد من تراجع أسعار النفط (وليس سعر الخام الأمريكي الذي لا علاقة لنا به) وتتخلص تدريجيا من عبء دعم المحروقات، لكنها ليس من مصلحتها المجازفة في عقود آجلة ولا الاستمرار في استخدام آلية التحوط في ظل التقلبات المتواصلة والضبابية الحاصلة في أسواق النفط العالمية.

Advertisements

أخبار ذات صلة

Leave a Comment